التَّصْفيَةُ والتَّرْبِيَة! -وَشَيْءٌ مِمَّا يَدْخُلُ فِيها لِإعادَةِ مجْدِ الأمَّةِ الأسلاميَّة!- للعلَّامة محمّد ناصر الدّين الألبانيّ -رحمهُ اللهُ-



 التَّصْفِيَةُ والتَّرْبِيَةُ!
-وَشَيْءٌ مِمَّا يَدْخُلُ فِيها لِإِعَادَةِ مَجْدِ الأمَّةِ الأِسْلَامِيَّة!-

تَفْريغٌ لإِجَابَةِ الْوَالِدِ العَالِمِ الألْبَانِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم...
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلَامُ على رسولِ اللهِ، وبعدُ:
(التَّصْفيَةُ والتَّربيةُ)!  منهجٌ صَاحَبَهُ والِدِي -رحمهُ اللهُ تَعَالَى- في دعوتِهِ، وعنْهُ كَمْ نافحَ!...
وهُنا مقطعٌ يُجلِّي فيهِ شيئًا من أوليَّاتِ ما يدْخلُ في هذا المنهجِ العَريقِ الدّقيقِ! النَّقيِّ الزَّكيِّ! خلالَ إجابتِهِ عَنْ سُؤالٍ، قيَّدْتُهُ وإجابتَهُ -كتابيًّا- منَ الشَّريطِ: (متفرّقات/ رقم: 231/ د: 31 ، ثا 25- تقريبًا).
نفعَ اللهُ بِهِ.

السُّؤالُ وجَوابُهُ:
"السُّؤالُ:
ما هيَ الوسَائلُ السَّلِيمَةُ والكفِيلةُ لِإعادةِ مجْدِ الأمَّةِ الـمُسلِمَةِ في وقتِنَا الحَاضرِ؟

جوابُ الوالدِ -رحِمَهُ اللهُ تعالى-:
"في اعتقَادِي الَّذي أذكُرُهُ وأنصَحُ المسلمينَ بِهِ دائمًا وأبَدًا؛ لَا آتِي بشيْءٍ أكثرَ ممَّا سمعتُمُوهُ في الكلمةِ الَّتي رَوَيْتُها لكُمْ عنْ (إِمامِ دارِ الهجرةِ)(1)! وإنْ كانتْ تحتاجُ إلى شيْءٍ منَ التَّفصيلِ بناءً على هذَا السّؤالِ.
تلكَ الكلمةُ هيَ التي عَقَّبَ بها بعدَ الآيةِ الكريمةِ؛ فقالَ:
"ولَا يَصْلُحُ آخِرُ هذِهِ الأمَّةِ؛ إلَّا بمَا صَلُحَ بِهِ أوَّلُهَا! فما لَم يكُنْ يومَئِذٍ دينًا؛ لَا يَكُونُ اليومَ دينًا!"(2).
هذا هُوَ الجَوابُ؛ لكنَّهُ يحتاجُ إلى شيْءٍ منَ التَّفصيلِ!

• هذا (التَّفْصيلُ)؛ عُنوانُهُ عندِي -الجوابُ عن هذا السّؤَالِ وأمثالِهِ- هوَ (التَّصْفِيَةُ وَالتَّرْبِيَةُ)!
(تصفيةُ الإسْلامِ) ممَّا دخلَ فيهِ! ممَّا لمْ يكُنْ فيهِ في (العَهْدِ الأنْوَرِ الأطْهَر)؛ كما قالَ مالكٌ: "لَا يَصْلُحُ آخِرُ هذِهِ الأمَّةِ؛ إلَّا بمَا كانَ عليهِ أوَّلُهَا!".
(السَّلَفُ الأوَّلُ)؛ وهوَ يَشْمَلُ (القُرونَ الثَّلَاثَةَ) الَّتي أثْنَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليها خيرًا؛ في الحديثِ الصَّحيحِ؛ بلِ المتواتِرِ! حينَ قالَ:
((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الّذينَ يَلُونِهُم))(3)!
والنَّاسُ يَرْوُونَ هذا الحديثَ بلفظِ (خَيرُ القُرُونِ)؛ وهذا ليسَ لهُ أصلٌ في هذِهِ الأحاديثِ الصَّحيحةِ؛ وإنْ كانَ المعْنَى قريبًا؛ لَكِنَّ الرِّوايةَ بلفظِ:
((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الّذينَ يَلُونِهُم))!
أقولُ:
لَا بُدَّ مِنَ (التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ)!  على أساسِ هذِهِ (التَّصفيةِ)!

• تعلمونَ -جميعًا- أمرًا يشترِكُ في معرفَتِهِ (العالِمُ والجاهلُ)! وهوَ: أنَّ هناكَ أحاديثَ كثيرةً وكثيرةً جدًّا؛ مُنْبَثَّةٌ في بطونِ الكتُبِ، ونَسمَعُها على أَلْسِنَةِ الخُطَباءِ، والوُعَّاظِ، والمدرِّسينَ؛ وهيَ لَا أصْلَ لها عندَ الـمُحَدِّثِ!
وهيَ تدخلُ في نهْيِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ في أحاديثَ كثيرَةٍ عنْ أنْ نَتَحدَّثَ في شَيْءٍ لَا نَعْلَمُ ثُبوتَهُ عنْهُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ! كمثلِ قولِهِ: ((مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ؛ وهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابَيْنِ))(4)!
- (الكَذَّابُ الأوَّلُ): هُوَ الذي اخْتَلَقَهُ، وَوَضَعَهُ، وافتَرَاهُ!
- و(الكَذَّابُ الثَّاني): هُوَ هذا الَّذي ينشُرُهُ!  إمَّا تأليفًا، وإِمَّا خَطَابَةً، وإِمَّا وَعْظًا وإرشادًا؛ فهذَا هُوَ (الكَذَّابُ الثَّاني)!
هذَا أمرٌ منتَشِرٌ اليومَ بينَ المسلمينَ! فكيفَ يكونُ المسلمونَ وهذا حالٌ من أحوالِهِمُ الَّذي خلَطُوا فيهِ عمَّا كانَ عليهِ (السَّلفُ الصَّالِحُ)!
دَخَلَتِ (الأحاديثُ الباطلةُ) بينَ (الأحاديثِ الصَّحيحةِ)!
فاختلَطَ الحقُّ بالباطلِ! واختلَطَ الحابِلُ بالنّابِلِ!

• فإذًا! المسلمونَ اليومَ؛ لَا يعيشونَ على الإسلامِ (الـمُصَفَّى)!
فلَا بُدَّ من (تصفيَةِ الإسلامِ):
- أوَّلًا: من مثلِ هذهِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ الموضوعَةِ!
- ثُمَّ مَنْ منكُمْ يَخْفَى عليهِ (كثرَةُ الإسرائيليَّاتِ) المنتشرةِ في بُطُونِ كُتُبِ التّفسيرِ!

• قُبيلَ ساعاتٍ قليلةٍ، جاءَني سُؤَالٌ عمَّا يُذْكَرُ في بعضِ كُتُبِ التّفسيرِ؛ ممَّا يَتعلَّقُ بقولِهِ تباركَ وتعالى -في يُوسُفَ، وامرأَةِ العزيزِ-:
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [سورة يوسف: 24]،  يُذْكَرُ هنا أشياءُ قبيحةٌ جِدًّا جِدًّا!  وتُنسَبُ إلى النَّبيِّ المعصومِ: (يُوسُفَ) عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ؛ الَّذي عَصَمَهُ اللهُ -عزَّ وجلَّ-، وأثنَى عليهِ خيرًا؛ في نفسِ القِصَّةِ!
تُعْزَى ويُنسَبُ إليهِ ما لا يجوزُ أنْ يُنسَبَ إلى مسلمٍ عَادِيٍّ؛ أنَّهُ همَّ أنْ يفُكَّ تكَّةَ اللِّباسِ، تخيَّلَ أنَّ أباهُ يعقوبَ عليهِ السَّلامُ يعَضُّ على أُصبعِهِ، فتركَ وأعْرَضَ عنِ امرأَةِ العزيزِ!
أشياءُ وأشياءُ! منها -أيضًا-: أنَّهُ رأى امرأتَ العزيزِ -لمَّا همَّتْ بِهِ- بادَرَتْ إلى صنمٍ كانتْ تعبُدُهُ من دونِ اللهِ، فألقَتْ عليهِ ستارًا؛ سألَها: لِمَ فعَلْتِ هذا؟
قالَتْ: لكي لا يرَانَا!
فتذكَّرَ حينئِذٍ يوسُفَ عليهِ السَّلامُ -زعمُوا!- تذكَّرَ اللهَ؛ فرجَعَ عمَّا كانَ عنْهُ!
كلُّ هذا مبثوثٌ في كتُبِ التّفسيرِ!
ويقْرؤُهُ كثيرٌ مِنَ الجماهيرِ؛ على أنَّها جاءتْ حقائِقَ في كتُبِ التّفسيرِ!

• أضِفْ إلى ذلكَ:
قصَّةَ الشّيطانِ الَّذي سرقَ خاتَمَ سُليمانَ!
وهذا مذكورٌ في "تفسيرِ الخازنِ" -مثلًا-، وأمثالِهِ!
هذهِ كتُبٌ يجبُ -أيضًا- أنْ تُصَفَّى من مِثْلِ هذهِ الإسرائيليّاتِ!

• بالإضافةِ إلى ذلكَ:
أن تُصَفَّى مِنَ (التَّأْويلَاتِ) التي جاءتْ منَ المتأخِّرينَ من بعضِ المفَسِّرينَ على خِلافِ (تفسيرِ السَّلفِ الصّالِحِ)! الَّتي رُوِيَتْ بالأسانيدِ في الكتُبِ المعتمدةِ من كُتُبِ التَّفسيرِ ؛ كتفسيرِ:
- "محمّدٍ بنِ جريرٍ الطّبريِّ"؛ الحافظِ، المؤرِّخِ، المحدِّثِ، وهوَ  مِنْ أئِمّةِ السَّلفِ في هذهِ العلومِ كلِّها!
- وكذلِكَ: (الإمامُ ابنُ كثيرٍ الدِّمشقِيِ) في تفسيرِهِ المشهورِ بِهِ؛ حيثُ يَنْقلُ -في تفسيرِ الآياتِ- الرِّواياتِ التي وردَتْ عنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ (الصَّحابَةِ والتّابعينَ).
يجبُ -أيضًا- تصفيَةُ كتُبِ التّفسيرِ من الإسرائيليَّاتِ والتَّأويلَاتِ الرَّكيكةِ المخالِفَةِ لما كانَ عليهِ (سلفُنا الصَّالِحُ)!
هذا كلُّهُ داخلٌ في بابِ (التَّصْفِيَةِ)!

• ثمَّ ماذا نقولُ ممَّا أشرتُ إليهِ آنفًا أنَّ نوعًا من أنواعِ (التَّوحِيدِ) انْقَلَبَ بسبَبِ (الجهلِ)! إلى نوعٍ منَ (الشِّرْكِ)، وعبادةِ (غيرِ اللهِ)!!
مَنْ منْكُمْ لَا يَعلَمُ أنَّ هناكَ قُبُورًا في بلادِ المسلمينَ؛ يُطافُ حولَها كما يَطوفُ عبادُ اللهِ حولَ البيتِ الحرامِ، أوِ الكعبَةِ المشَرَّفَةِ!!
مَنْ منْكُمْ لَا يَعلَمُ بأنَّ هناكَ قُبُورًا تُقْصَدُ بالنَّذْرِ لها؛ مِنْ دونِ اللهِ تباركَ وتعالى!!
وتُقْصَدُ بالذَّبحِ لها؛ مِنْ دونِ اللهِ تباركَ وتعالى!!
ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ:
((مَلْعونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ))!(5)؛ تحقيقًا منْهُ عليهِ السَّلامُ -بهذَا الكلَامِ- لقولِهِ تعالى في القُرآنِ -مخاطبًا لَهُ-: 
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي}، {وَنُسُكِي}! يعني: ذبيحَتِي للهِ لَا شريكَ لَهُ!
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {لاَ شَرِيكَ لَهُ}[الأنعام: 162-163].
ماذَا نعُدُّ!!
ليسَ هذا مجالُ العدِّ؛ المهمّ: الإشارةُ تُغْني عنْ كثيرٍ مِنَ العِبَارةِ!

• لَا بُدَّ مِنْ:
- تصْفِيَةِ الإسلامِ!
- والرُّجُوعِ بِهِ إلى مَا كَانَ عليهِ (السَّلَفُ الأوَّلُ)!
 وبالعبارةِ المأثورَةِ في الحديثِ السّابقِ(6): إلى ما كانَتْ عليهِ الجماعةُ!
حيثُ جعلَ الرَّسولُ عليهِ السَّلامُ (التَّمَسُّكَ بما كانَ عليهِ الجماعةُ)؛ هيَ (العِصْمةُ) في ألَّا نكونَ مِنَ  الفِرَقِ الاثْنَينِ وسَبْعِينَ، التي ثالثُها: (الفِرْقةُ النَّاجِيةُ)!
هذا شيءٌ فيما يتعلَّقُ بالتَّصفيةِ!..". انتهى كلامُهُ في المقطع المقصودِ.
رَحِمَ اللهُ الوالدَ، وأحسنَ إليهِ.
كتبتْهُ: حسّانة. الأحد 19 ذو القعدة 1435هـ‍
- - -
= هامش:
 (1)  فقَد سبقَ في الشّريطِ نفسِهِ (د: 26، 24 ثا) تقربيًا.
(2) ذكرَهُ الإمامُ مالكٌ عن وَهَبَ بنِ كيسانَ -رحمهمُ اللهُ-؛ فقدْ جاء في "التّمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد": "أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ يَقْعُدُ إِلَيْنَا وَلَا يَقُومُ أَبَدًا حَتَّى يَقُولَ لَنَا (اعْلَمُوا! أَنَّهُ لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ؛ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهُ!) قُلْتُ: يُرِيدُ مَاذَا؟ قَالَ: يُرِيدُ في بادِىءِ الْإِسْلَامِ! أَوْ قَالَ: يُرِيدُ التَّقْوَى!" اهـ‍ (23/ 10)، ط(1387هـ‍)ـ  وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.
(3) متّفقٌ عليه.
(4) في مقدِّمةِ "مسلم":  1- بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ، وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ:  "...وَهُوَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)).." اهـ‍ . (ص: 43)، ط بيت الأفكار الدّوليّة.
(5) رواهُ مسلمٌ وغيرُه،ولفظ مسلم: ((وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)).. الحديث. كتابُ الأضَاحي،  بابُ تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ تَعَالى وَلَعْنِ فَاعِلِهِ 43 - (1978).
(6) الَّذي ساقَهُ الوالدُ -رحمهُ اللهُ- قبلُ، في الشّريط نفسِهِ؛ (د: 28- تقريبًا).؛ ألَا وهوَ (حديثُ الافْتِراقُ)، وفيه قولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((الجمَاعَة)).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ