لَنُسْأَلَنَّ أَجْمَعِينَ عَنْ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ!



لَنُسْأَلَنَّ أَجْمَعِينَ عَنْ (لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ)!

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسّلامُ على رسولِ اللهِ وبعدُ:
• قالَ رَبُّنا -تباركَ وتعالى- في سورَةِ "الحِجْر":
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}{عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [92- 93]

• منَ المعَاني التي فسَّرَ بها أهلُ العِلْمْ تلكَ الآياتِ الكريماتِ، ما جاءَ في "تفسيرِ الطّبريِّ":
- عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضِيَ اللهُ عَنْهُ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: «عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»!
- عَنْ أَنَسٍ، رضِيَ اللهُ عَنْهُ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}: «عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»!
- عَنْ مُجَاهِدٍ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}{عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: «عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»!" اهـ مختصَرًا.

• قالَ الإمامُ البخاريُّ في "صحيحِهِ" في كتابِ الإيمان:
"وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}{عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[92- 93]: عَنْ قَوْلِ: (لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)!" اهـ‍

• بوَّبَ البخاريُّ -رحمَهُ اللهُ- في "صحيحِهِ":  "بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] فَبَدَأَ بِـ (العِلْمِ)!.." اهـ‍
فماذا تعلَّمْنا عن (لا إلَهَ إلَّا اللهُ)؟

• جاءَ في تفسير العلَّامةِ  السَّعديّ -رحمَهُ اللهُ-:  "تيسير الكريم الرَّحمن":
"(العِلْمُ)؛ لا بُدَّ فيهِ من إقْرَارِ القَلْبِ، ومعْرِفَتِهِ بمعْنى ما طُلِبَ مِنْهُ علْمُهُ!
وتَمَامُهُ: أنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ!
وهَذَا (العِلْمُ) الَّذي أمَرَ اللهُ بِهِ (وهُوَ العِلْمُ بتَوحِيدِ اللهِ)؛ فَرْضُ عَينٍ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ! لا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، كَائنًا مَنْ كَانَ! بَلْ كُلٌّ مُضْطَّرٌّ إلى ذَلِكَ!
والطَّريقُ إلى العِلْمِ بأنَّهُ (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)؛ أمُورٌ...."!
وأتركُ للقارئِ بعينِ البصيرةِ إكمَالَ معرفةِ تلكَ الأمُورِ بالعودةِ إلى ذاكَ التّفسيرِ؛ ليدركَ أنَّ  كلمةَ التّوحيدِ: (لا إلهَ إلَّا اللهُ)؛ لا نَصِلُ إلى العِلْمِ بها؛ إلَّا بـ (العلمِ)!

• "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، نُرَدِّدُها بألْسِنَتِنا!
فهلْ نَطَقْناها بفهْمٍ!
هَلِ اعْتَقَدْنَاها حقَّ الِاعتِقادِ؟
هَلْ عمِلْنا بها بِجَوارِحِنا؟
هَلْ علِمْنَا مَعْنَاها؟
أَدَرَسْنا أرْكَانَها؟
فقِهْنا شُروطَها؟
هَلْ فَهِمنَاهَا وعَمِلْنا بها كما فَهِمَها وعَمِلَ بهَا سَلَفُنا الصَّالحُ؟
إنَّ المرءَ لَيخْشَى على أنْ نفسِهِ أن يَكونَ مبلَغَ عِلْمِهِ بـ (لَا إلهَ إلَّا اللهُ): "هَاهْ هَاهْ! لا أدْري!"، وهذا في الدُّنيا!
فكيفَ بِنا الحَالُ ونحنُ في قبُورِنا -والعياذُ باللهِ!- وقدَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ:
((وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ! لَا أَدْرِي!)) الحديثُ.  
رواهُ أحمدُ وغيرُهُ، وصحَّحَهُ والدِي -رحمَهُمُ اللهُ-. "مشكاةُ المصابيح"، 131 -[7].

• (لا إلهَ إلَّا اللهُ) كلمةُ التّوحيدِ،  سنُسأَلُ عنها جميعُنا يومَ القِيامةِ!
(لا إلهَ إلَّا اللهُ) كلمةُ التّوحيدِ، التي وبسبَبِ سوءِ فهمنا لَها، وجهلِنا؛ نقعُ بالشِّرْكيَّاتِ دونَ أن نَشْعُرَ!
قالَت لي إحْدَى الأخَواتِ: "لـمَّا دَرَسْتُ التّوحيدِ؛ اكْتَشَفْتُ أنَّ حَياتِي مَليئَةٌ بالشِّركِ"!
وكلَامُها لَيسَ بغَريبٍ؛ ذاكَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أعْلَمَنا عَنِ (الشِّرْكِ الخَفِيِّ)، عِنْدَما قالَ لأَبي بَكْرٍ الصِّدّيقِ رضِيَ اللهُ عَنْهُ:
((يَا أَبَا بَكْرٍ! لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ))!
 فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟!
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ!
أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟))
قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ))!
رواهُ البخاريُّ في الأدبِ المفرد"، وصحَّحَهُ والدِي -رحمَهما اللهُ_. يُنظر: "صحيح الأدب المفرد"، 554/716.
فأَنَّى يَتَأتَّى لنا مَعْرِفَةُ مداخلَ ومخارجَ ما خَفِيَ من الشِّرْكِ؛ وكيفيَّةَ اجْتِنابِهِ؛ إلَّا بـتوفيقِ اللهِ لَنا  (لِلْعلْمِ الشَّرْعِيِّ)!

• تَاللهِ! إنَّ  كلمةَ التّوحيدِ: (لا إلهَ إلَّا اللهُ)؛ لنحتاجُ إلى تدبُّرِها في كلِّ لحظةٍ من حياتِنا؛ حاجَةَ الحيِّ إلى الهواءِ والماءِ!  في صَلَاتِنا، في رُكُوعِنا، في سجودِنا، في دُعَائِنا، في تَعَامُلِنا!
حُقَّ لِأْجِلها أن تُعْقَدَ المجالِسُ!
وحُقَّ لِأَجْلِها أنْ تُثْنَى في حلَقَاتِ العلْمِ الرُّكَب!
ولو أنَّ هُناكَ مَجْلِسًا عَنْها؛ وتَنَالُهُ المطَايَا؛ لرَحَلَتِ القُلُوبُ والأجسادُ إليه!
بلْ إنَّ المرءَ ليجدُ في دروسِ (التَّوحيدِ) مِنَ الِانشرَاحِ والحبورِ، ما لا يجدُهُ مَنْ ألْقَى عصَا التّرحالِ بين عَشِيرَتِهِ وأهلِهِ!
ومَهْمَا اجْتَهَدْنا في تعلُّمِها ومذاكَرَتِها وتجْديدِها في قُلوبِنا وجوارِحِنا؛ لـمَا ارْتَوينَا ولا شَبِعْنا!  بلْ ولَا وفَّينَاها حَقَّها!
إنَّها لها لحلَاوةٌ!
وللعِلمُ بها شأنٌ عظيمٌ وغَلَاوَةٌ!  

• فكمْ سَطْرًا قرأْنا عَنْ تَفْسِيرِ(لا إلهَ إلَّا اللهُ)؟
وكم دَرْسًا سمِعْنا عَنْ آثارِ (لا إلهَ إلَّا اللهُ)؟

• فلْنَدَعِ العلمَ التّافِهَ الضَّارَّ، وتضييعَ الأوقاتِ
ولنُقبِلْ على تعلُّمِ (التّوحيدِ)، و(كلمةِ التَّوحيدِ)، وكيفَ نُحْيِيها ونعِيَها في قُلوبِنا وجوارِحِنا، في لَيلِنا ونَهَارِنا؛ عَنْ عِلْمٍ وبصيرَةٍ!
إنَّهُ لَمنَ الخُذلانِ والخُسْرَانِ أن نفهَمَ ونتعلَّمَ ونتكلَّمَ في الحقِيرِ في شأْنِ علومِ الدُّنيا، وممَّا لا يعْنِينا، ولا نفقَهُ (لَا إلَهَ إلَّا اللهُ) التي سنُسْألُ عنها، يومَ لَا عودةَ لنا إلَّى الدُّنيا لِتَعلُّمِها والعملِ بِها، ولَا رَجْعَة!
سُبحانَكَ لا عِلْمَ لنا إلَّا ماعلَّمْتنَا إِنَّكَ أنتَ العلِيمُ الحكِيمُ.
وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وسلَّم.
كتَبتْهُ: حَسَّانَة بنتُ محمَّدٍ ناصرِ الدِّين بنِ نوحٍ الألبانيّ
الإثنين 17 ربيع الأوّل 1437هـ‍