ما المقْصُودُ بـ(السَّاعَةِ) في الحديثِ: ((ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً))؟ وجَوابُ الوالدِ العالمِ الألبانيّ رحمهُ اللهُ تعالى



هَلِ (السَّاعةُ) الوَارِدَةُ فِي الحَدِيثِ:
((ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى))
هِيَ (السَّاعةُ الزَّمنيَّةُ) المعْرُوفةُ الآنَ؟

جَوَابُ الوَالِدِ العَالمِ الألبانيِّ
-رَحمهُ اللهُ تَعَالى-

بسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم...
الحمدُ للهِ، والصّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وبعدُ:
هَذا مَقْطَعٌ لأحدِ إِجَاباتِ والدِي رحمهُ اللهُ تعالى؛ عن ماهيَّةِ  كلمةِ (السّاعةِ) الواردَةِ في حديثِهِ عليه الصَّلَاةُ والسَّلام؛ قيَّدتُهُ كتابيًّا -مع شيءٍ منَ التّصرُّفِ- من الشَّريطِ رقم (251)، "سلسلة الهدى والنُّور"، (د:40، تقريبًا).
أسألُ الله أن ينفعَ بِه، ويُثيبَ والدي خيرًا. 

السُّؤال:
 ما المقْصُودُ بـ(السَّاعَةِ) في الحدِيثِ: ((مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى؛ فَكَأَنَّمَا قَدَّمَ بَدَنَةً))[1]؟
الجوابُ:
- الوالدُ: "هي (السّاعةُ الزَّمنيَّة)! السّاعةُ الزَّمنيَّةُ؛ الَّتي هيَ (ستُّونَ دقيقةً)، وكلُّ دَقيقةٍ (ستُّونَ ثانيةً)!.. عَرَفْتَ أيَّ سَاعةٍ؟
- السَّائلُ: ما كانَ هناكَ سَاعَةٌ!
- الوالدُ: لَا! الآنَ نحنُ لسْنَا في مَوْضُوعٍ -ماذا نسمِّيهِ؟- تَاريخيٍّ أو جُغرافيٍّ أو أَيش[2]! نحن في مَوْضُوعٍ (حَدِيثِيٍّ) الآنَ!
أنتَ تسأَلُني: "مَا المعْنى؟"، أعْطيتُكَ المعْنَى! لكِنْ ما حَكَيتُ أَنَا أنَّ مثلَ هذِهِ السَّاعةِ كانَ يُوجَدُ أو لا يُوجَدُ! لكِنْ يُوجَدُ أنَّ النَّهارَ (اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً).. النَّهَارُ، اليومُ فيهِ (اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً).. تعرفُها أمْ لَا؟...
- مِنَ الحضُورِ: لَا!
- السَّائلُ: الدّليلُ؟...
- الوالدُ: الرَّسُولُ عليهِ السَّلامُ يقولُ:
((فِي يَوْمُ الْجُمُعَةِ: اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ اسْتَجَابَ لَهُ))!
والحدِيثُ في: "سُنَن النَّسائيِّ"، مِنْ روايةِ: جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ[3].
فتَقْسيمُ (اليومِ واللَّيلةِ) إلى (أربعٍ وعِشْرينَ ساعةً) هذا التَّقْسيمُ (قَديمٌ)! فلَيستْ هَذِهِ (السَّاعَةُ العْصريَّةُ) هيَ الَّتي قَسَّمَتِ اليومَ واللَّيلةَ إلى (أربعٍ وعشرينَ ساعةً)، لَا! هُمْ تَوارَثُوا التَّقْسيمَ هذَا، فَأوْجَدُوا السَّاعَةَ؛ لِيطَابِقَ التَّقسيمَ الَّذي تَوارثُوهُ من قَديمٍ!... اثْنتَا عَشْرَةَ ساعةً في النَّهارِ!...نعم.
هناكَ ساعاتٌ قديمةٌ ربَّما تكونُ محفوظةً في بعضِ المتَاحِفِ؛ مِنْها: والدِي -رحمهُ اللهُ-[4]  كانَ له عنايةٌ بعضَ الشَّيءِ بـ(عِلْم الفَلَكِ)! كانَ عندَهُ في دارِهِ المتواضِعةِ -في دِمشقَ- ما يُسَمَّى بلغةِ علمِ الفَلَكِ بـ(الـمِزْوَلَة)! مُشْتَقَّةٌ منْ: زالَ يزولُ زالتِ الشَّمْسُ مِنْ وسَطِ السَّماءِ[5].
(الـمِزْوَلَة) -هذِهِ- عبارةٌ عَنْ لَوحَةٍ من رُخَامٍ؛ مَغْروسٌ فيها مِسمارٌ مِنْ حديدٍ؛ لكنْ بطريقةٍ هندَسيَّةٍ؛ يعني بِشَكْلِ: شاقوليًّا؛ عَامودِيًّا؛ لو جِئْتَ من عندِ النَّجَّارينَ بآلةٍ يُسمونَّها (الزَّوايةُ) [...[6]] العَمُود يضربُ ظلٌّ بعيدٌ؛ كلَّمَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ؛ قَصُرَ! نَقْلَةٌ من مَكانٍ لمكَانٍ؛ لا أدْري الآنَ بالضَّبطِ؛  إمَّا أنْ يَحْسِبَ خمسَ دقائقَ، أو أَقلَّ، أو أكثرَ.
فـ(السَّاعاتُ) الَّتي الآنَ موجودةٌ بأيدِينا وبيوتِنَا؛ هيَ كانتْ موجودةً في (الـمَزاوِلِ) هذِهِ (الـمِزْوَلَة)، وهذِهِ موجودٌ مِنْهَا إلى الآنَ في بعضِ المساجِدِ القديمةِ؛ في (دِمشْقَ)، وفي (المغْربِ)؛ في مَسْجدِ (الرَّباطِ)، ونحوِ ذلكَ.
- مِنَ الحضُورِ: في المدِينةِ.
- الوالدُ: في المدينةِ!...
- السَّائلُ: رُبَّما حديثةٌ!
- الوالدُ: لَا! ليستْ حديثةً؛ قديمةٌ.. ومِنْ ثَمَّ هناكَ (ساعَةٌ رمليَّةٌ)، رَأَيتَها؟
- السَّائلُ لَا..، ومن الحضورِ: أوَّلُ مرَّةٍ أعرفُها.
- الوالدُ: نعمْ.. هذِهِ (السَّاعةُ الرَّمليَّةُ) لَكَ أن تتصوَّرَ مثلَ الكأسِ هَذهِ، مقابِلُهَا أخرى لِتَحْت؛ هنا مُخَصَّرةٌ[7]، مُخَصَّرَةٌ جِدًّا، فيها (رَمْلٌ)، هَذَا (الرَّمْلُ) مَوضُوعٌ بميزانٍ دقيقٍ جِدًّا! بحيثُ إذا قلَبْتَ الجهازَ هَذَا؛ يبدأُ الرَّمْلُ ينزلُ  لِلْمَحَلِّ الأَسْفلِ؛ يأخذُ وقتًا معيَّنًا مُحدَّدًا بدقيقةٍ، أو بخمْسِ دقائقَ.
فكانُوا قديمًا يُخَصِّصونَ إنسانًا[8]! طبعًا هَذا يُحَدِّدُ تحديدًا ليسَ دقيقًا مثلَ السَّاعاتِ هذِهِ.. نعم.. لا أدْري كَمِ الوقتُ تَمَامًا، قدْ يكُونُ منها قياساتٌ؛ ما عندِي فكرةٌ.
المهمُّ أنَّ: العربَ كانُوا يعرِفونَ (السَّاعاتِ) بطريقةٍ قد تكونُ بدائيَّةً؛  لكِنْ هَذَا لَا يعْنِي أنَّهُم لا يعرِفونَ!
فقولُ الرَّسُولِ عليهِ الصّلَاةُ والسّلَامُ -حتَّى ما نَذْهبَ بعيدًا-: ((مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى))؛ هيَ (السَّاعةُ الزَّمنيَّةُ)! فلَهُ  كَذَا، ولَهُ كَذَا[9]..
- [السّائلُ: تبدأُ مِنْ؟][10]
- الوالدُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ، نَعَمْ".
انتهى جوابُه -رحمَهُ اللهُ وأحسنَ إليه-.
تقييدُ ابنتِهِ: حَسَّانَة. الثّلاثاء 3 صفر 1436هـ‍




[1] - اللّفظُ في "الموطّأ": ((ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً))، وفي "صحيح البخاريّ"، و"صحيح مسلم": ((ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً))... الحديث. وتمامهُ في الحاشية، رقم (9).
[2] - "المعجم الوسيط"، (1/ 34): "(أَيْشٍ): مَنْحُوت ٌمِنْ: (أَيُّ شَيْءٍ) بِمَعْنَاهُ، وَقَد تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ" اهـ‍
[3] - في كتابِ الجمُعةِ، بابُ وقتِ الجمُعة، رقم (1388): ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ: اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوجَدُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ؛ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ)). يُنظر: (ص: 227)، ط 1، مكتبة المعارف.
[4] - رحمةُ اللهِ عليه.
[5] - "المعجم الوسيط"، (1/ 408): "(الـمِزْوَلَة): السَّاعَة (الشَّمْسيَّةُ)؛ الَّتِي يُعيَّنُ بهَا الْوَقْتُ بِظِلِّ الشَّاخِصِ الَّذِي يُثَبَّتُ عَلَيْهَا" اهـ‍.
[6] - [قُطِع الصّوتٍ]، ولعلَّ التّقدير: "لـمَّا تُشرِقُ الشّمسُ، وتقعُ أشعتُها على العَمودِ"، واللهُ أعلم.
[7] - ضيِّقَةٌ مِنْ جانِبيِ الوَسَط.
[8] - لِيَقْلِبَ السّاعةَ الرَّمليّةَ!
[9] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ))! متّفقٌ عليه.
[10] -  الصّوتُ بعيدٌ لم يتّضح؛ لكن هذا الذي ظهرَ لي من السّياقِ، والله أعلم.