القَابِضُونَ علىٰ الـجَمْرِ!...




القَابِضُونَ علىٰ الـجَمْرِ!...

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ...
منْ بعدِ حمدِ اللهِ، والصّلاةِ والسّلامِ علىٰ خَاتَمِ رسلِ اللهِ:
• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يَأْتِي عَلَىٰ النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ؛ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ))![1]

وعنِ ابنِ مسعودٍ، رضيَ اللهُ عَنْهُ -مرفوعًا- بلفظِ:
((الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ اخْتِلَافِ أُمَّتِي؛ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ))![2]

وفي روايةٍ: "عنْ أبي ثعلبةَ الخشنيّ في حديثٍ لَهُ؛ بلفظِ:
((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ))! الحديثُ[3]

• غريبُ المفرداتِ:
- معنىٰ (مَسَكَ):
في"معجم مقاييس اللّغة": "(مَسَكَ): الْمِيمُ وَالسِّينُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حَبْسِ الشَّيْءِ أَوْ تَحَبُّسِهِ!" اهـ‍

- معنى (جمر):
في"معجم مقاييس اللّغة": "(جَمْرٌ) الْجِيمُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ؛ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى التَّجَمُّعِ" اهـ‍
في "لسان العرب": "(جمر): الجَمْرُ: النَّارُ المتَّقِدَةُ، واحدتُهُ: جَمْرَةٌ". اهـ‍
وفي "كتاب العين":
"الجَمْرُ: الْـمُتَّقِدُ، فإذا بَرَدَ فَهُوَ فَحْمٌ". اهـ‍

- معنى (قبضَ):
حتّىٰ نَعلَمَ معنىٰ (قبضَ)! ويتجلَّىٰ لنا بلاغتُها في سياقِ قولِه عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ! رأيتُ مقارنتَهَا بـ (قَبصَ)؛ عبر الآتي:
(قبضَ) بالضّاد -منقوطة-.
(قبصَ) بالصّادِ -غيرِ منقوطة-.
فما الفرقُ بينهُما في المعْنىٰ؟

- جاءَ في"النّهاية في غريب الحديث والأثر": 
"القَبْضُ: الأخْذُ بِجَمِيعِ الكَفِّ"...
"القَبْصُ: الأخْذُ بأطْراف الْأَصَابِعِ".[4] اهـ‍

- "لسانِ العربِ":
"(القَبْصُ): التناوُلُ بالأَصابع بأَطْرافِها، قَبَصَ يَقْبِصُ قَبْصُا: تناوَلَ بأَطرافِ الأَصابعِ وهو دونَ القَبْصِ... القَبْضةُ بالكفِّ كلِّهَا، والقَبْصَةُ بأَطرافِ الأَصَابعِ"اهـ‍
"(القَبْضُ): جَمْعُ الكفِّ علىٰ الشَّيءِ، وقَبَضْتُ الشَّيْءَ قبْضًا أَخذتُهُ، والقَبْضةُ: ما أَخذتَ بِجُمْعِ كَفِّكِ كُلِّهِ، فإِذَا كانَ بأَصَابِعِكَ؛ فهيَ: القَبْصَةُ، بالصَّادِ". اهـ‍

- "معجم مقاييس اللّغة":
" (قَبَصَ) الْقَافُ وَالْبَاءُ وَالصَّادُ أَصْلَانِ يَدُلُّ أَحَدَهُمَا عَلَى خِفَّةٍ وَسُرْعَةٍ، وَالْآخَرُ عَلَى تَجَمُّعٍ.
فَالْأَوَّلُ: الْقَبَصُ، وَهُوَ الْخِفَّةُ وَالنَّشَاطُ...
وَمِنْ ذَلِكَ (الْقَبْصُ)، وَهُوَ: تَنَاوُلُ الشَّيْءِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ خِفَّةٍ وَعَجَلَةٍ...". اهـ‍

- "المفردات في غريب القرآن":
"قَبَصَ: القَبْصُ: التَّناولُ بأطرافِ الأصَابِعِ...
قَبَضَ: القَبْضُ: تناولُ الشَّيْءِ بجَمِيعِ الْكَفِّ؛ نحْوُ: قَبَضَ السَّيفَ، وغيرُهُ.."[5] اهـ‍

- جاء في "تفسير الطّبريّ":
"و(القبضَةُ) -عندَ العَربِ-: الأخذُ بالكفِّ كلِّهَا،
و(القبصَةُ): الأخذُ بأطْرَافِ الأصَابِعِ!" اهـ‍

- في "تفسير القرطبيّ":
"وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ (الْقَبْضَ): بِجَمِيعِ الْكَفِّ!
وَ(الْقَبْصُ): بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ!" اهـ‍

• ما الفرقُ بينَ (قَبضَ علىٰ)، و(قبضَ عَنْ)!
- جاءَ في "المفردات في غريب القرآن" للأصفهانيّ:
"فقبْضُ اليَدِ علىٰ الشَّيْءِ: جَمْعُهَا بَعْدَ تَنَاوُلِهِ!
و: قَبْضُهَا عَنِ الشَّيْءِ: جَمْعُهَا قَبْلَ تَنَاوُلِهِ! وذٰلكَ إمساكٌ عَنْهُ، ومِنْهُ قِيلَ لإمساكِ اليدِ عَنِ البذْلِ: قَبْضٌ. قالَ [تعالىٰ]: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التّوبة: 67]، أيْ: يمتَنِعُونَ منَ الإِنْفَاقِ..."[6] اهـ‍

ولعلّهُ تجلَّىٰ لنا من خلالِ تلكَ المعاني، عمقُ معنىٰ (القبض) (علىٰ) (الجمرِ)!.. كيفَ لا! وقدْ قالَ تباركَ وتعالىٰ عن نبيِّنا عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ:
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}[النّجم: 3].

• من معاني الحديثِ:
- "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح":
"(يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ) أَيْ: فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ!
(عَلَى دِينِهِ)؛ أَيْ: عَلَى حِفْظِ أَمْرِ دِينِهِ بِتَرْكِ دُنْيَاهُ!
(كَالْقَابِضِ)؛ أَيْ: كَصَبْرِ الْقَابِضِ فِي الشِّدَّةِ وَنِهَايَةِ الْمِحْنَةِ!
(عَلَى الْجَمْرِ): جَمْعُ الْجَمْرَةِ؛ هِيَ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ!... وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ:
كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَبْضُ عَلَى (الْجَمْرَةِ) إِلَّا بِصَبْرٍ شَدِيدٍ! وَتَحَمُّلِ غَلَبَةِ الْمَشَقَّةِ! كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لَا يُتَصَوَّرُ حِفْظُ دِينِهِ وَنُورُ إِيمَانِهِ؛ إِلَّا لِصَبْرٍ عَظِيمٍ وَتَعَبٍ جَسِيمٍ! وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ مَا أَحَدٌ يَصْبِرُ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}[البقرة: 175] مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقْبَضُ عَلَى الْجَمْرِ أَيْضًا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَمْرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ، أَوْ إِحْرَاقٍ، أَوْ إِغْرَاقٍ وَنَحْوِهَا ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81]"[7] اهـ‍

- وفي موضعٍ آخرَ:
"(فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ)؛ أَيْ: قُدَّامَكُمْ مِنَ الْأَزْمَانِ الْآتِيَةِ، أَوْ خَلْفَكُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْهَاوِيَةِ!
(أَيَّامَ الصَّبْرِ)؛ أَيْ: أَيَّامًا لَا طَرِيقَ لَكُمْ فِيهَا إِلَّا الصَّبْرُ، أَوْ أَيَّامًا يُحْمَدُ فِيهَا الصَّبْرُ؛ وَهُوَ الْحَبْسُ عَلَى خِلَافِ النَّفْسِ مِنِ اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ وَتَرْكِ الْخِلْطَةِ وَالْخَلْوَةِ!
(فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ)؛ أَيْ: فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ
(قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ): يَعنِي: يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّبْرِ؛ كَمَشَقَّةِ الصَّابِرِ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ بِيَدِهِ!.."[8]. اهـ‍

- في "فيض القدير شرح الجامع الصغير":
"شبَّهَ المعقولَ بالمحسُوسِ؛ أيِ الصَّابِرُ عَلَىٰ أحكَامِ (الكتَابِ والسُّنَّةِ) يُقَاسي بما ينالُهُ منَ الشِّدَّةِ والمشقَّةِ من أهلِ البدعِ والضَّلالِ مثْلَ ما يقاسِيهِ مَنْ يأخُذُ النَّارَ بيدِهِ، ويقبِضُ عليهَا! بلْ ربَّـمَا كانَ أشّدّ! وهذا من معجزاتِهِ؛ فإنَّهُ إخبارٌ عن غَيْبٍ وقدْ وقعَ!" [9] اهـ‍


- قالَ العلَّامةُ السّعديُّ -رحمهُ اللهُ-:
"وهذا الحديثُ -أيضًا- يقتضِي (خَبَرًا) و(إرشادًا)!
أما (الـخَبَرَ): فإنَّهُ صلَّىٰ اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أخبرَ أنَّهُ في آخرِ الزَّمانِ يقلُّ الخيرُ وأسبابُهُ، ويكثرُ الشَّرُّ وأسبابُهُ، وأنَّهُ عندَ ذٰلكَ يكونُ المتمسِّكُ بالدِّينِ منَ النَّاسِ أقلَّ القَليلِ! وهٰذا القليلُ في حالةِ شدَّةٍ ومشقَّةٍ عظيمَةٍ، كحالةِ (القابضِ علىٰ الـجَمْرِ)! من قوَّةِ المعارضينَ، وكثرةِ الفتنِ المضِلَّةِ، فتنِ الشُّبُهَاتِ والشُّكُوكِ والإلحادِ، وفتنِ الشَّهواتِ وانصرافِ الخلْقِ إلى الدّنيا، وانهماكِهِمْ فيها، ظاهرًا وباطنًا، وضعفِ الإيمانِ، وشدَّةِ التَّفرُّدِ؛ لقلَّةِ المعينِ والمساعدِ!
ولٰكنَّ المتمسّكَ بدينِهِ، القائمَ بدفعِ هٰذه المعارضَاتِ والعوائقِ الَّتي لا يصمُدُ لها إلَّا أهلُ البصِيرةِ واليقينِ، وأهلِ الإيمانِ المتينِ، منْ أفضلِ الخلقِ، وأرفعِهِمْ عندَ اللهِ درجةً، وأعظمِهم عندَهُ قدْرًا.
وأمَّا (الإرشادُ)، فإنَّهُ إرشادٌ لأمّتِهِ، أن يوطِّنُوا أنفسَهُمْ علىٰ هذهِ الحالَةِ! وأن يعرِفُوا أنّهُ لا بدَّ منهَا، وأنَّ منِ اقتحمَ هٰذِهِ العقباتِ، وصبرَ علىٰ دينِهِ وإيمانِهِ -مع هٰذِهِ المعارضاتِ- فإنَّ لهُ عندَ اللهِ أعلىٰ الدَّرجاتِ. وسيعينُهُ مولاهُ علىٰ ما يحبُّهُ ويرضاهُ؛ فإنَّ المعونةَ علىٰ قدْرِ المؤْنةِ!..."[10] اهـ‍

• من منثورِ أهلِ العلمِ في وصفِ أهِلِ (القَبْضِ على الجمرِ)!
- قالَ الإمامُ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّامٍ -رحمهُ اللهُ-:
"الـمُتَّبِعُ السُّنَّةَ، كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ! هُوَ اليَوْمَ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ فِي سَبِيْلِ اللهِ!"[11] اهـ‍

- قالَ الإمامُ ابنُ القيّمِ -رحمهُ اللهُ- واصلًا بينَ (الغرباءِ) و (القابضينَ علىٰ الجمرِ):
"ومِنْ صفاتِ هٰؤلاءِ (الغُرباءِ) الَّذينَ غبطَهُمُ النَّبيُّ صلَّىٰ اللهُ عليْهِ وسلَّمَ:
- التَّمسّكُ بالسُّنّةِ؛ إذا رغبَ عنهَا النّاسُ!
- وتركُ ما أحدَثُوهُ؛ وإنْ كانَ هوَ المعروفُ عندَهُمْ!
- وتجريدُ (التَّوحيدِ)؛ وإنْ أنكرَ ذلكَ أكثرُ النّاسِ!
- وتركُ الاِنْتِسابِ إلىٰ أحدٍ غيرِ اللهِ ورسولِهِ! لَا شَيْخَ، وَلَا طَرِيقَةَ، وَلَا مَذْهَبَ، وَلَا طَائِفَةَ!
بلْ هٰؤلاءِ (الغُرباءُ) منتَسِبونَ إلىٰ اللهِ بالعبوديَّةِ لهُ وحْدَهُ!
و إلىٰ رسولِهِ (بالاِتِّباَعِ) لـمَا جاءَ بِهِ وحْدَهُ!
وهٰؤلاءِ هُمُ (القَابضونَ علىٰ الـجَمْرِ) حَقًّا! وَأَكْثَرُ النَّاسِ؛ بَلْ كُلُّهُمْ لَائِمٌ لَهُمْ! فَلِغُرْبَتِهِمْ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ؛ يَعُدُّونَهُمْ أَهْلَ شُذُوذٍ وَبِدْعَةٍ! وَمُفَارَقَةٍ لِلسَّوَادِ الْأَعْظَمِ!"[12] اهـ‍

- قالَ الإمامُ أبو الفرجِ ابنُ رجبٍ الحنبليِّ -رحمهُ الله-:
"..ولـهٰذَا جَاءَ في أحَاديثَ متعدِّدَةٍ مدْحُ الـمُتَمَسِّكِ بدينِهِ في آخرِ الزَّمانِ! وأنَّهُ (كـَالقابضِ علىٰ الـجَمْرِ)! وأنَّ للعاملِ منهُمْ أجْرَ خمسينَ مـمَّنْ قبلهُمْ، لأنَّـهُمْ لَا يجدُون أعوانًا في الخيرِ!"[13] اهـ‍

• من منظومِ أهلِ العلمِ في (القَبْضِ على الجمرِ)!
- قالَ الإمامُ ابنُ القيّمِ في نونيّتهِ "الكافية الشّافيةُ"[14]:
فَسَلِ الْغَرِيْـمَ الْمُسْتَضَامَ عَـنِ الَّذِي ... يَلْقَــــــــــــــــــاهُ بَيْنَ عِـــــــــدًى بِلَا حُسْبَانِ!
هَٰذَا وَقَدْ بَعُدَ الْمَدَىٰ وَتَطَـــاوَلَ الـْ  ...  ـعَهْدُ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الْإِحْسَانِ!
وَلِذَاكَ كَانَ (كَقَابِضٍ جًمْرًا) فَسَلْ  ...  أَحْشَــــــــــــــــــاءَهُ عَنْ حَرِّ ذِي النِّيْرَانِ!
واللهُ أَعْلَــــــــــــمُ بِالَّــــــــــــــــذِي فِــــــــي قَلْبِهِ ...  يَكْفِيْهِ عِلْــــــــــــــــــمُ الْوَاحِــــــــــــــــدِ الْمَنَّانِ!

- قالَ العلَّامةُ العثيمين -رحمهُ اللهُ- في شرحهِ لهاتِهِ الأبياتِ[15]:
"(الغَريْبِ)[16]: يعني: الذي ليسَ معهُ أحَدٌ.
(الْمُسْتَضَامَ): أي: المضيَّقُ عليهِ.
(بَعُدَ الْمَدَىٰ وَتَطَـــاوَلَ الـْـعَهْدُ): أيْ: الْـعَهدُ بينَهُ وبينَ عَهْدِ الرَّسولِ عليْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ؛ طويلٌ؛ لأنَّهُ كُلَّمَا قَرُبَ الْـعَهْدُ من زمنِ الرِّسالةِ؛ فإِنَّهُ يكونُ أقْوىٰ إيـمانًا، وأصحُّ إسلامًا!
(وَلِذَاكَ كَانَ (كَقَابِضٍ جًمْرًا) فَسَلْ  ...  أَحْشَــــــــــــــــــاءَهُ عَنْ حَرِّ ذِي النِّيْرَانِ!):
يعني: أنَّ الرَّجلَ (القَابضَ علىٰ الـجَمرِ) يَجِدُ مِنَ الحرِّ ما لَا يَعلَمُهُ إلَّا اللهُ!". اهـ‍

- قالَ الإمامُ الشّاطبيُّ -رحمهُ اللهُ- في منظومتهِ "حرزُ الأمانيّ ووجه التّهاني في القراءات السّبع"[17]:
وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي ... (كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ) فَتَنْجُو مِنَ الْبِلَا!

- جاءَ في "سراجُ القارئِ المبتدِي وتذكارُ المقْرئِ المنتهي"[18]:
"هٰذا إشارةٌ إلىٰ زمانِهِ! أيْ: هٰذا الزَّمانُ زمانُ الصَّبرِ؛ لأنَّهُ قَدْ أُنكِرَ المعرُوفُ! وعُرِفَ المنكَرُ، وأُوْذِيَ الْـمُحِقُّ، وأُكْرِمَ الْـمُبْطِلُ، فَمَنْ يَسْمَحُ لكَ بالحالةِ الَّتي لزومُهَا في الشِّدَّةِ؛ كَقَابِضٍ علىٰ جَـمْرٍ؛ فَتَأَسَّ بهِ، فَتَسْلَمَ مِنَ العَذَابِ، أشارَ إلىٰ قولِهِ عليْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ؛ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ))!" اهـ‍

- وفي "إبراز المعاني من حرز الأماني"، لأبي شامةَ:
"فمعنىٰ البيتِ: من يَسْمَحَ لكَ بحصُولِ الحالةِ الَّتي هيَ كَـ (قَبْضٍ علىٰ جَـمْرٍ)، وحصولُهَا؛ هوَ القِيامُ فيهَا بحقوقِ اللهِ تعالىٰ"[19] اهـ‍

- قالَ العلَّامةُ: حافظٌ الحكميُّ -رحمهُ اللهُ- في منظومتِهِ: "الجوهَرةُ الفَريدةُ في تحقيقِ العقيدةِ"[20]:
يَا غُرْبَةَ الدِّيْنِ والـمُسْتَمْسِكيْنَ بِهِ ... (كَقَابِضِ الْجَمْرِ) صَبْرًا وَهْوَ يَتَّقِدُ!
............
• وختامًا:
وبعدَ كتابتي للموضوعِ، ها هيَ النّفسُ تشاركُ الرَّكبَ في الحديثِ عن (القابضِ على الجمْرِ)، فنظمتُ البيتَ الموالي[21]:
يَــــــــا قابِضًا جَمــْـــــــــــــــــــرًا؛ للهِ يَصْطَبِرُ ... اِمْسِكْ بِعَزْمٍ؛ إِنَّ الـْعَيْشَ يُمْتَحَنُ!
وأعني بالبيتِ: المتمسّكَ بدينِهِ مخلصًا للهِ في ذلكَ؛ أنّهُ وإنْ ذاقَ نارَ مشقّةِ الصّبْرِ لحبسِهِ نفْسَهُ علىٰ شرعِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- وسنّةِ نبيِّهِ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ؛ فليزددْ تمسّكًا عن عزيمةٍ وقوةٍ، ولا يتَضَعْضَعْ! فإنّما هنا -أيْ: القبضُ علىٰ الجمرِ- جوهرُ البلاءِ! وعينُ الابتلاءِ في حياتِنا في هذه الدّنيا!.. فإن لم نثبتْ، فماذا ظَفِرْنا من عيشِنَا ذاكَ!!

نرجوهُ جلَّ جلالُهُ الإعانةَ علىٰ الثّباتَ! والتّمسّكَ بسنَّةِ نبيّهِ حتىٰ المماتِ!
وصلَّىٰ اللهُ علىٰ نبيِّنَا محمّدٍ و علىٰ آلِهِ وسلَّمَ.
~ ~ ~
كتبتْهُ: حسّانة بنت محمّد ناصر الدّين الألبانيّ.
الثّلاثاء: 27/ شوّال/ 1434هـ‍.






[1]- رواهُ التّرمذيُّ، وصحّحهُ الوالدُ لشواهدِهِ. يُنظرُ: "سلسلة الأحاديث الصّحيحة"، الحديث رقم (957).
[2] - أوردهُ الكلاباذي في كتابِهِ: "بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار" يُنظرُ تعليقُ الوالدِ -رحمهُ اللهُ- في المصدرِ السّابقِ -أيْ: الصّحيحة/ 957-.
[3] - هٰذهِ الفقرةُ ضمنَ سياقِ الرّوايةِ التّاليةِ: ((بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؛ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ! لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ))، وقدْ ضعَّفَهُا الوالدُ -رحمهُ اللهُ-، إلآَّ أنّهُ صحَّحَ تلكَ الفقرةَ لشواهدِهَا. فقد قالَ -رحمهُ اللهُ- في: "مشكاة المصابيح"، الحديث رقم: (5144): "إسناده ضعيف، ولبعضه شواهد" اهـ‍. وقالَ في "ضعيف سنن التّرمذيّ"، الحديث رقم (3264): "ضعيف.. لكنّ بعضه صحيحٌ" اهـ‍. وقالَ في: "التّعليقات الحسان"، الحديث رقم (386): "لكنَّ فقرةَ ((أَيَّامَ الصَّبْرِ)) ثابتةٌ"اهـ‍. وينظرُ: "سلسلة الأحاديث الصّحيحة"، الحديث رقم (494).
[4]- (4/ 5-6)
[5] - (ص: 390-391).
[6]- النّاشر: مكتبة نزار مصطفىٰ الباز، (2/ 505- 506).
[7]- الطّبعة الأولىٰ (1422 هـ‍) دار الكتب العلمية، بيروت، (9/550)، مختصرًا.
[8]-  المصدر السّابق، (9/ 335).
[9]- الطّبعة الثّانية (1391هـ‍)، دار المعرفة للطّباعة والنّشر، بيروت، (6/ 456).
[10]- "بهجةُ قلوبِ الأبرارِ وقرّةُ عيونِ الأخيارِ في شرحِ جوامعِ الأخبارِ"، الطّبعة الأولىٰ (1425هـ‍)، دار الشّريعة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، القاهرة، (ص: 198-199).
[11]- "سير أعلام النّبلاء"، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الأولىٰ (1402هـ‍)، (10/ 499).
[12]- "مدارج السّالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين"، الطّبعة الثّانية (1429 هـ‍)، دار طيبة للنّشر والتّوزيع، (4/ 25).
[13]- من رسالة "كشف الكربة في وصف أهل الغربة". من المكتبة المقروءة.
[14] - الأبيات من (4903) إلىٰ (4907)، صفحة: (346)،  الطّبعة الأولىٰ (1416هـ‍)، دار ابن خزيمة للنّشر والتّوزيع.
[15]- في كتاب: "شرح القصيدة النّونيّة المسمّاة: الكافية الشّافية في الانتصار للفرقة النّاجية"، تأليف العلَّامة: العثيمين، و العلَّامة السّعديّ، ومعها تعليقات للعلَّامة: محمّد خليل هراس، رحمهم الله تعالىٰ. (444/4)، الطّبعة الأولىٰ (1429هـ‍)، مكتبة الطّبريّ للنّشر والتّوزيع بالقاهرة.
[16]- هكذا وجدتُّهَا في المتنِ المرفقِ مع الشّرحِ، أمَّا في طبعة دار ابن خزيمة: (الْغَرِيْـمَ).
[17]- البيت رقم (81).
[18]-  وهو شرح لمتن الشّاطبيّة؛ لابن القاصح. (1/ 23). المكتبة المقروءة.
[19] - (ص: 56). المكتبة المقروءة.
[20]- البيت رقم (54).
[21]- نَظَمْتُهُ علىٰ البحرِ البسيطِ (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ).. لكنْ بتفعيلاتِ: (مُسْتَفْعِلُنْ فعْلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ).